جلال الدين الرومي

496

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 1729 - 1738 ) إن رقعة الغلام للملك شبيهة بأحاديثنا جميعا إلى السلطان : لقد أثنى الغلام في رقعته على السلطان ، تحدث عن جوده وسخائه وعن أنه أكرم من البحر والسحاب ، ذلك أن السحاب يجود بالمطر باكيا ، أما الملك فيجود بالعطية ضاحكا هذا هو المدح الموجود بالرقعة لكن رائحة الغضب تفوح منها وانظر إلى أي إنسان قدر عليه رزقه انظر إليه وهو ينادى : يا الله أهي رنة التضرع التي تفوح من قوله والاحتياج ، أو هي رنة العتاب والغضب . . إنه خطاب غاضب هدفه اظهار الغضب ، وما الثناء والمدح هنا إلا من قبيل الرياء ويترك مولانا جلال الدين الغلام الذي يغضب ويمدح من أجل الخبز لا من أجل الرضا ، ويتجه بالحديث إلى غلمان السوء في الدنيا : من هذا فكل أفعالك أيها الغافل المرائي بلا نور ، ليست أفعالك القبيحة بل عباداتك وطاعاتك أيضا لأنك بعيد تماما عن النور الطبيعي والنور الإلهى ، وهكذا أعمال الأخساء الأدنياء لا رونق فيها ولا ازدهار ولا طائل من ورائها مهما بدت طيبة ، فهكذا شأن الفاكهة الفجة غير الناضجة تماما سريعا ما تعطن ، وهكذا رونق الدنيا وزخرفها ، لا طائل من ورائه فهي عالم الكون والفساد وطالما أنت تمدح أحدا باللسان دون أن يمدحه قلبك . فإن الصدور لا تنشرح بهذا المدح فالحقد في قلب المادح يمنع مدائحه من التأثير فلا صدق في التعبير ولا إخلاص فلا يتجاوز الآذان إلى القلوب . . فقبل أن تقرأ « الحمد » أخل قلبك في البداية من الحقد والكراهية ، فالحمد على اللسان . . والاكراه في القلب يكون نوعا من خداع اللسان وغشه واحتياله إذ أن « الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم » الاخلاص في العمل إذن أساس قبول أي عمل أو نجاحه : لا تتحدث عن المستضعفين وأنت غارق في الرفاهية ، لا تكتب عن الجهاد وأنت خامل ضعيف لا يتأتى منك فعل ، لا تكتب عن العمل وأنت عاطل ، ولا تتحدث عن العطاء وأنت لا تفعل شيئا إلا أن تأخذ . . كثيرون هم أمثالك في هنا العالم .